
العلاوة السنوية واحدة من أكثر النقاط التي شغلت المشرّع المصري وأثارت جدلًا واسعًا بين العمال وأصحاب الأعمال على مدار العقدين الماضيين. فهي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بقدرة العامل على مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار، وفي المقابل تمثل عبئًا ماليًا إضافيًا على كاهل بعض أصحاب الأعمال، خاصة في الأوقات الاقتصادية الصعبة.
من هنا جاءت المقارنة بين قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 والقانون الجديد رقم 14 لسنة 2025 لتكشف لنا حجم التطور التشريعي في هذا الباب، وكيف تحوّلت العلاوة من مجرد “حق مرن” إلى “التزام قانوني صارم”.
أولًا: ماذا قال قانون العمل رقم 12 لسنة 2003؟
قانون 2003 أقرّ بحق العامل في الحصول على زيادة سنوية، لكنه لم يضع حدًا أدنى ملزمًا. بل ترك تحديد قيمتها وآلياتها للائحة الداخلية للمنشأة أو للاتفاقيات الجماعية أو الفردية.
هذا الوضع ترتب عليه عدة نتائج عملية:
- غياب توحيد الحد الأدنى: فقد يحصل العامل في منشأة كبرى على زيادة معتبرة، بينما يكتفي آخر في منشأة صغيرة بعلاوة رمزية.
- عدم مواكبة التضخم: في كثير من الأحيان كانت الزيادة أقل بكثير من معدل ارتفاع الأسعار، ما قلل من قيمتها الحقيقية.
- سلطة تقديرية لأصحاب الأعمال: منح القانون مرونة واسعة للإدارة في تقدير الزيادة أو حتى المماطلة فيها بحجة الظروف الاقتصادية.
ثانيًا: ما الذي أضافه قانون العمل رقم 14 لسنة 2025؟
القانون الجديد جاء بحسم غير مسبوق، إذ نص في المادة (12) على استحقاق العامل علي العلاوة السنوية دورية لا تقل عن 3% من الأجر التأميني، وتُستحق بانقضاء سنة من تاريخ التعيين أو من تاريخ استحقاق العلاوة السابقة.
أهم ما يميز النص الجديد:
- الإلزام والحد الأدنى: لم يعد أمر العلاوة متروكًا لاجتهادات اللوائح أو الاتفاقيات، بل أصبح إلزامًا قانونيًا.
- ربطها بالأجر التأميني: أي أن حسابها يتم على أساس أكثر عدلًا وموضوعية.
- إمكانية الاستثناء بضوابط: في حال تعرض المنشأة لظروف اقتصادية استثنائية تمنع الصرف، يجوز عرض الأمر على المجلس القومي للأجور، وهو الجهة المخولة بتقدير الإعفاء أو التخفيض في خلال 30 يومًا.
ثالثًا: الفرق الجوهري بين القانونين
1- من المرونة إلى الإلزام:
- 2003: حق قابل للتفاوض، بلا إلزام.
- 2025: التزام إلزامي بحد أدنى لا يقل عن 3%.
2- من تفاوت الحقوق إلى توحيد المعايير:
- 2003: تفاوت بين القطاعات والمنشآت.
- 2025: قاعدة عامة تنطبق على جميع العاملين الخاضعين للقانون.
3- من غياب الرقابة إلى وجود آلية مؤسسية:
- 2003: لم يحدد جهة رقابية مركزية.
- 2025: المجلس القومي للأجور يتدخل للفصل في حالات التعثر الاقتصادي.
رابعًا: الأثر العملي للعلاوة الجديدة
- على العامل: ضمان حد أدنى ثابت من الزيادة السنوية يساعده على مواجهة الأعباء المعيشية ويمنحه شعورًا بالأمان الوظيفي.
- على صاحب العمل: صحيح أن الالتزام يفرض عبئًا ماليًا، لكنه يعزز الاستقرار داخل المنشأة ويقلل من النزاعات العمالية. كما أن إمكانية اللجوء للمجلس القومي للأجور تمنحه متنفسًا في الظروف القهرية.
- على سوق العمل: توحيد القواعد يسهم في تقليل الفوارق بين العاملين في نفس القطاع، ويزيد من ثقة العمال في المنظومة القانونية.
خامسًا: قراءة اقتصادية وقانونية
القانون الجديد يعكس فلسفة الدولة في تحقيق توازن دقيق بين العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي. فالعامل لم يعد رهين إرادة صاحب العمل وحده، وفي نفس الوقت لم يُغلق الباب أمام مرونة التعامل مع حالات التعثر.
وفي الخاتمة
العلاوة السنوية لم تعد مجرد بند ثانوي في علاقة العمل. فقد تحولت من حق مرن يختلف تطبيقه باختلاف اللوائح في قانون 2003، إلى التزام قانوني إلزامي في قانون 2025. هذه النقلة تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز حماية العامل وضمان حد أدنى من العدالة في الأجور، مع مراعاة الظروف الاقتصادية لأصحاب الأعمال.
وبذلك، فإن قانون 2025 لم يكتفِ بتنظيم علاقة العمل، بل ارتقى بها إلى مستوى يوازن بين الحقوق والواجبات بما يضمن استقرار بيئة العمل واستمرار عجلة الإنتاج.

للتواصل مع المؤسسة
للتواصل مع مؤسسة الميزان للمحاماة برجاء مليء الفورم التالية..


